تأثير الإنسان في المناخ(*)

تأثير الإنسان في المناخ(*)

alt

ما حجم الدمار الذي نوقعه في المناخ؟ إن الجواب الذي طال انتظاره

عن هذا السؤال ربما يأتي بحلول عام 2050، ولكن فقط إذا ما التزمت

دول العالم منذ الآن بنظام مراقبة طويل الأمد لتغير المناخ.

<R.T. كارل> ـ <E.K. ترينبيرث>

 

«توحي الدلائل بأن هناك تأثيرًا واضحًا للإنسان في مناخ الكرة الأرضية»، بهذه الكلمات المختارة بعناية اعترف الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ(1) The Intergovernmental Panel on Climate Change، في عام 1995، بأن الجنس البشري ليس بريئًا على الإطلاق عندما يتعلق الأمر باعتلال صحة كوكبنا. ولكن ما لم يقله الفريق والذي مازال موضع خلاف شديد بين العلماء والسياسيين، هو متى وأين بالضبط سيصبح ذلك التأثير محسوسا وإلى أي مدى وما هو حجمه.

 

لقد ظلت التغيرات المناخية، التي يعتقد أنها ناجمة عن النشاطات البشرية، متواضعة نسبيا حتى الآن، ولكن التقديرات المختلفة للاحتمالات المستقبلية المبنية على أساس الاتجاهات الحالية، توحي بأن درجة التغير ستصبح مثيرة للقلق في أواسط القرن الحادي والعشرين، إذ إنها ستتجاوز كل ما سبقت رؤيته في الطبيعة خلال العشرة آلاف سنة الماضية. ومع أن بعض المناطق قد تستفيد من هذا التغير لبعض الوقت، فمن المتوقع أن تصبح التغيرات، بصفة عامة، عنيفة وربما قاسية. ويمكن القول إنه إذا كان في استطاعة الباحثين أن يوضحوا مدى تأثير أنشطة بشرية معينة في المناخ، فسيكون باستطاعتهم أن يقترحوا استراتيجيات محددة لتخفيف عواقب أسوأ الاضطرابات المناخية. ويحق لنا أن نتساءل: هل من الممكن تحديد مقدار التغير المناخي المتوقع إذا ما طبقت هذه الاستراتيجيات؟ إننا نعتقد أن ذلك ممكن، وأننا نستطيع تحقيقه بحلول عام 2050، شريطة أن تظل لهذا الهدف أولوية عالمية.

 

وعلى الرغم من عناصر عدم اليقين المحيطة بتفصيلات التغير المناخي، فإن نشاطاتنا تؤثر بوضوح في الغلاف الجوي بعدة طرق مثيرة للمتاعب. فحرق الوقود الأحفوري في مصانع توليد الطاقة وفي السيارات يُطلق جزيئات وغازات تؤدي إلى حدوث تغير في تركيب الجو؛ ذلك أن احتراق الوقود الغني بالكبريت يطلق في الهواء جسيمات دقيقة جدًّا تُسمى الهباء الجوي aerosol التي تشكل شابورة haze رقيقة لَبنية اللون تغشى السماء. ويعمل الهباء الجوي بصفة مؤقتة على تبريد الجو؛ لأنه يعكس بعضًا من أشعة الشمس إلى الفضاء الخارجي، ولكنه لا يستمر سوى بضعة أيام قبل أن يكنسه المطر ويعيده إلى سطح الأرض. أما المشكلة الكبرى فتتمثل في غازات معينة غير مرئية تسبب تأثيرًا يستمر زمنًا أطول بكثير. ومن هذه الغازات ثنائي أكسيد الكربون الذي يبقى في الجو مدة قرن أو أكثر. والأسوأ من ذلك، أنه يعمل مع غازات الاحتباس الحراري الأخرى على احتجاز جزء من الإشعاع الشمسي الذي كان يمكن للأرض أن ترده إلى الفضاء، وبذا يشكل «بطانية» تعزل الطبقات الدنيا للغلاف الجوي وتسخنها.

 

ومما لا شك فيه، أن الانبعاثات الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري وحدها قد زادت من تركيز غاز ثنائي أكسيد الكربون في الجو بنحو 30 في المئة منذ بدء الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر. ومع أن المحيطات والنباتات تساعد على معادلة هذا التدفق عن طريق تنظيف الهواء من بعض غاز ثنائي أكسيد الكربون مع مرور الوقت، فإن تركيزات هذا الغاز في الجو مازالت تتزايد باستمرار. وبالطبع فإن النتيجة الحتمية لضخ غازات الاحتباس الحراري إلى الجو هي الاحترار العالمي (الاحترار الشامل للكرة الأرضية) global warming. وفي واقع الأمر يوافق معظم العلماء على أن متوسط درجة حرارة الأرض قد ارتفع بمقدار ستة أعشار الدرجة السيلزية (أي أكثر من درجة فهرنهايت واحدة) خلال الـ120 سنة المنصرمة، ويعود السبب في معظمه إلى حرق الوقود الأحفوري.

 

ويؤدي الاحترار الشامل للكرة الأرضية الناجم عن مفعول الاحتباس الحراري إلى تجفيف كوكبنا، عن طريق زيادة البخر من المحيطات والتربة والنباتات. وهذه الزيادة في البخر ترفد خزانا متضخما من الرطوبة يغذي جميع أشكال الطقس الممطر، سواء كان هذا الطقس على شكل عواصف مدارية أو زخات رعدية thundershowersأو عواصف ثلجية أو نظم جبهية(2) frontal system. وهكذا فإن هذه التقوية لدورة الماء تؤدي إلى ابتلاء المناطق الجافة بمزيد من الجفاف، في حين تؤدي إلى هطل أمطار أو زخات ثلجية غزيرة في المناطق الرطبة، مما يزيد من احتمال حدوث الفيضانات. وبالفعل فإن أنماط الطقس هذه ألقت بثقلها على العديد من مناطق العالم في العقود الأخيرة.

 

وإلى جانب حرق الوقود الأحفوري يقوم الناس بنشاطات أخرى قد تشيع الخراب في النظام المناخي. وعلى سبيل المثال فإن قيام الناس بتحويل الغابات إلى أراض زراعية يؤدي بالطبع إلى إزالة الأشجار التي كانت تعمل على إنقاص مفعول الاحتباس الحراري عن طريق امتصاص الكربون من الجو. وكذلك تؤدي إزالة الأشجار إلى زيادة جريان مياه الأمطار الهاطلة فوق سطح الأرض، مما ينجم عنه زيادة أخطار حدوث الفيضانات.

 

إن وعي الإنسان للعوامل التي تؤدي إلى تغير المناخ شيء، ومعرفته الكيفية التي تؤثر بها النشاطات البشرية في بقعة بعينها على المناخين المحلي والعالمي شيء آخر. ولتحقيق هذا الهدف علينا نحن الذين تقلقهم تأثيرات الإنسان في المناخ أن نضع نماذج مناخية حاسوبية أكثر دقة مما تم وضعه حتى الآن. ولهذا فإننا سنحتاج إلى الاستعانة بالإمكانات الكبيرة للحواسيب الفائقة، التي تفوق سرعتها سرعة الحواسيب المتاحة حاليا بمليون مرة. وكذلك سيكون علينا أن نواصل السعي لفك اشتباك التآثرات التي لا تُعد ولا تُحصى بين المحيطات والغلاف الجوي والمحيط الحيويbiosphere، لكي نعرف بالضبط المتغيرات التي سندخلها في النماذج الحاسوبية.

 

والأهم من ذلك كله، علينا أن نكون قادرين على إقامة الدليل على أن نماذجنا الحاسوبية تحاكي، بدقة متناهية، التغير المناخي الذي حدث في الماضي والتغير الذي يحدث حاليًا، قبل أن يكون بإمكاننا الاعتماد على نماذج نستخدمها للتنبؤ بالمستقبل. ولكي نحقق ذلك سنكون بحاجة إلى سجلات طويلة الأمد. ولن تكون محاكاة المناخ والتنبؤ به صحيحة إلا إذا كانت منبثقة عن تسجيل مستمر للتغييرات وقت حدوثها.

 

alt

أحد المشاة في نيويورك وهو يصارع الأمطار الغزيرة التي صاحبت الإعصار فلويد الذي ضرب المنطقة في الشهر 9/1999. ويعتبر انهمار الأمطار الغزيرة المصاحب للعواصف المدارية مجرد مظهر واحد من مظاهر الطقس العنيف الذي ازداد سوءًا مع الاحترار العالمي.

 

الحواسيب والتآثرات المناخية(**)

بالنسبة إلى العلماء الذين ينمذجون أنماط المناخ، فإن كل شيء ـ بدءًا من زحف العصور الجليدية وانحسارها وانتهاءً بتصحر إفريقيا الوسطى ـ يتم إدخاله في هذه النماذج التي ستستخدم في الحواسيب الفائقة. وتَحدث التآثرات بين عناصر نظام المناخ(3) في هذه النماذج حسب القوانين الفيزيائية الممثلة في عشرات المعادلات. ويُصْدِر واضعو النماذج أوامرهم إلى الحواسيب لكي تحل هذه المعادلات داخل كل إطار في شبكة متسامتة ثلاثية الأبعاد تغطي الكرة الأرضية. ولما كانت الطبيعة غير محكومة بهذه الأطر، فإن المهمة الشاقة التي يضطلع بها واضعو النماذج لا تقتصر على مجرد إدخال الرياضيات الصحيحة في كل إطار، بل تمتد إلى إعطاء وصف ملائم لكيفية انتقال الطاقة والكتلة إلى داخل هذه الأطر وخارجها.

 

وتستطيع الحواسيب في المراكز العالمية المتقدمة في مجال وضع نماذج المناخ أن تجري ما بين 10 بلايين و50 بليون عملية في الثانية الواحدة. ولكن في مثل ذلك العدد الكبير من المتغيرات الذي أشرنا إليه فإن محاكاة مناخ قرن واحد قد تستغرق عدة أشهر؛ ومن ثم فإن الوقت الذي تستغرقه الحواسيب لإجراء المحاكاة يحد من عدد الأطر الذي يمكن تضمينه في نماذج المناخ. ولكي تحاكي النماذج المصممة التطور التفصيلي لنظم الطقس، فإن حجم الأطر في الشبكة المتسامتة الثلاثية الأبعاد يبلغ نحو x250 250 كيلومترا في الاتجاه الأفقي، ونحو كيلومتر واحد في الاتجاه العمودي. من الواضح إذًا أن متابعة النماذج في حيز أصغر من ذلك هو أمر من الصعوبة بمكان.

 

إن محاكاة المناخ والتنبؤ بأحواله لن ينضجا

إلا إذا تم تسجيل التغيرات حال وقوعها.

فحتى أكثر نماذج المناخ العالمية الحالية تطورًا ليس بإمكانه أن يحاكي مباشرة الأحوال الجوية المختلفة، مثل الغطاء الغيمي وتكوّن المطر؛ إذ إن سحب العواصف الرعدية القوية التي تستطيع أن تصب مطرًا غزيرًا مفاجئًا، لا تمطر في الغالب إلا في حيز من المساحة يقل عن عشرة كيلومترات، فضلاً عن أن قطرات المطر تتكثف غالبًا بمقاييس تقل عن المليمتر. ولما كانت كل واحدة من هذه الأحداث تقع في مناطق تقل عن حجم أصغر وحدة في الشبكة المتسامتة، فإنه ينبغي استنتاج خصائصها اعتمادًا على تقنيات إحصائية مفصلة ومحكمة.

 

إن مثل ظاهرات الطقس هذه، التي تحدث على نطاق صغير، تتطور عادة بشكل عشوائي؛ بل إن تواترها يمكن أن يختلف اختلافا كبيرا من منطقة لأخرى. ولكن معظم العوامل التي تغير المناخ، كارتفاع مستويات غازات الاحتباس الحراري، تؤثر في جميع مناطق الكرة الأرضية باتساق أكثر وتماثل أوضح. ومع ذلك فإن تقلبيةvariability الطقس في مناطق صغيرة من شأنها أن تحجب بصورة متزايدة النشاط المناخي الذي يحدث بالفعل على نطاق واسع. ولذلك فإن كشف هذا النشاط من شأنه أن يستنزف وقت الحاسوب؛ لأنه يتطلب إجراء العديد من المحاكيات، ولكل واحدة منها خصائص ابتدائية تختلف عن الأخرى اختلافا بسيطا. وهكذا فإن معالم المناخ التي يتكرر تبيانها عند كل محاكاة تشكل ما يمكن تسميته «المؤشر» المناخي(4)، في حين أن تلك التي لا يمكن إعادة تمثيلها تعتبر بمثابة «ضجيج» noise مناخي ذي علاقة بالطقس السائد.

 

alt

 

alt

 

alt

 

alt

 

وتشير توقعات حذرة إلى أن سرعة معالجة الحاسوب سوف تزداد أكثر من مليون مرة بحلول عام 2050. وبمثل هذه القدرة الحسابية سيتمكن واضعو نماذج المناخ من صنع محاكيات حاسوبية عديدة، لكل منها خصائص ابتدائية مختلفة عن الأخرى، وسيصبحون أكثر قدرة على التمييز بين المؤشرات المناخية والضجيج المناخي. وكذلك سيكون بإمكاننا أن نجري بصورة روتينية محاكيات ذات زمان أطول، يمتد إلى عدة مئات من السنين، مع استبانة أفقيةhorizontal resolution دون الكيلومتر الواحد، واستبانة رأسية تبلغ في المتوسط 100 متر فوق المحيطات والغلاف الجوي.

 

وليس باستطاعة الحواسيب الأسرع أن تساعد على التنبؤ بالتغير المناخي إلا إذا كانت المعادلات الرياضياتية التي أدخلت فيها تصف بدقة متناهية ما يحدث في الطبيعة. فعلى سبيل المثال، لو كان الجو الذي نريد وضع نموذج له يحاكي جوًّا باردا جدا، ولكن هذه البرودة أكثر من اللازم بأربع درجات سيلزية (وهو أمر كان شائعا قبل عقد من الزمان)، فإن المحاكاة ستشير إلى أن مقدرة الجو على الاحتفاظ بالماء تقل بنحو 20 في المئة عن قدرته الفعلية ـ وهذا خطأ كبير من شأنه أن يجعل أية تقديرات للبخر والهطل مبنية على تقديرات لا معنى لها. وهناك مشكلة أخرى وهي أننا لا نعرف حتى الآن كيف نكرر replicate على نحو ملائم جميع السيرورات التي تؤثر في المناخ مثل الاضطراباتhiccups التي تحدث أحيانا في دورة الكربون، وكذلك التعديلات التي تحدث في استخدامات الأراضي. والأكثر من ذلك أن هذه التعديلات يمكنها أن تولد دورات ذات تغذية مرتدة(5)؛ لو حدث تجاهلها، لأدت إلى تضليل النموذج. فعلى سبيل المثال، يؤدي رفع درجة الحرارة أحيانا إلى تقوية متغير آخر مثل المحتوى المائي للهواء، الذي يؤدي بدوره إلى تضخيم الاضطراب الأصلي. (وفي هذه الحالة فإن زيادة الرطوبة في الهواء تسبب تسخينا زائدا، لأن بخار الماء هو من غازات الاحتباس الحراري القوية).

 

والباحثون ليسوا إلا في بداية تفهمهم لمدى تأثير بعض العوامل ذات التغذية المرتدة الإيجابية في دورة الكربون التي تمنح الحياة لكوكبنا. وعلى سبيل المثال فإن ثوران بركان ماونت پيناتوبو Mount Pinatubo في الفلپين عام 1991 قذف في الجو كميات من الرماد البركاني وثنائي أكسيد الكبريت تسببت في تبريد مؤقت شامل للعالم، فيما كانت هذه المركبات تتآثر مع قطيرات الماء في الهواء وتحول دون وصول بعض من أشعة الشمس إلى الأرض. والجدير بالذكر أن بإمكان هذه الطاقة المستنزفة أن تحد من امتصاص النباتات لثنائي أكسيد الكربون.

 

إن استخدام الأراضي بطريقة مختلفة عن استخداماتها السابقة يمكن أن يسبب اضطرابًا لنظم المناخ القارية والإقليمية بطرق يصعب ترجمتها إلى معادلات رياضياتية. فإزالة الغابات من أجل التوسع الزراعي وتربية المواشي تزيد من سطوع سطح الأرض، لأن ألوان الأراضي الزراعية تكون أفتح من الألوان الداكنة للأراضي المكسوة بالغابات، مما يجعلها تعكس مزيدا من أشعة الشمس. ومن شأن ذلك أن يفضي إلى تبريد الجو ولا سيما في فصلي الخريف والصيف.

 

ندرة البيانات(***)

إن المحاكيات المناخية لا تخرج أبدا عن كونها تخمينات جيدة ما لم تكن مستندة إلى أرصاد دقيقة تؤيدها وتُظهر أن النماذج الموضوعة هي بالفعل مرآة للحقيقة. وبتعبير آخر، إننا بحاجة إلى معرفة الكيفية التي تَغير بها المناخ في الماضي لكي نزداد يقينًا حول مدى حساسية النظام المناخي للنشاطات البشرية. ولا بد لنا من أن نكون قادرين على محاكاة الظروف التي كانت سائدة قبل الثورة الصناعية بدقة تامة ولا سيما منذ ذلك الوقت، حينما غيّر البشر تركيب الغلاف الجوي تغييرا لا رجعة فيه.

 

قبل تطوير السواتل (الأقمار الصنعية) التي تراقب الطقس وغيرها من الأجهزة والمعدات المستخدمة في محطات الأرصاد الجوية، كنا نعتمد ـ في سعينا لمعرفة الكيفية التي تغير بها المناخ ـ على مؤشرات معينة؛ كفقاعات الهواء والكيميائيات المحتجزة في العينات اللبية الجليدية ice cores وعرض حلقات الأشجار ونمو المرجان والرواسب في قعر المحيطات والبحيرات. فهذه المؤشرات توفر لنا معلومات من شأنها أن تساعدنا على تجميع صورة متكاملة للظروف المناخية التي كانت سائدة في الماضي. ولكننا الآن بحاجة إلى أكثر من مؤشرات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية من أجل فهم حقيقي للمناخ الحالي. إضافة إلى ذلك كله، نحن بحاجة إلى وسيلة ما تضاهي التسجيلات الفديوية الطويلة الأمد للتطور المناخي الحالي. وليست القياسات التي نقوم بها حاليا للجليد البحري والغطاء الثلجي ورطوبة التربة والغطاء النباتي ودرجات حرارة المحيطات ودرجة ملوحتها إلا بعضا من هذه المتغيرات.

 

ولكن التوقعات المستقبلية تبدو كئيبة؛ إذ لا توجد مؤسسة، سواء أكانت أمريكية أم عالمية، لديها التفويض أو تمتلك الموارد التي تمكنها من إجراء مراقبة طويلة الأمد للمناخ. وحاليًا يعمل العلماء على تجميع معلوماتهم عن التغير المناخي من شبكات واسعة الانتشار من السواتل والمِحَسات السطحية، مثل المراصد الطافية وسفن الرصد والمراصد ومحطات الأرصاد الجوية والطائرات التي تحلق لأغراض أخرى (كالتنبؤات الجوية القصيرة الأمد). ونتيجة لذلك فإن رسم صورة للتقلبية المناخية في الماضي هو في الأغلب إما مبهم أو غير موجود.

 

وتتولى الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي تشغيل العديد من هذه الشبكات، ولكنها لا تمتلك الموارد الكفيلة بتمكينها من الالتزام ببرنامج طويل الأمد لمراقبة المناخ؛ حتى إن مشروع نظام مراقبة الأرض التابع للوكالة ناسا NASA ـ الذي سيتم بموجبه إطلاق عدة سواتل متقدمة تقنيا لمراقبة مختلف جوانب النظم المناخية العالمية ـ لا يتضمن أي التزام بالاستمرار في برنامج طويل الأمد لرصد المناخ.

 

alt

أدى حرق الوقود الأحفوري (الصورة) إلى زيادة تركيزات ثنائي أكسيد الكربون (الخط المتقطع الأبيض)، كما أسهم في رفع درجة حرارة سطح الكرة الأرضية خلال السنوات ال140 الماضية (الخط الأحمر).

 

ومهما يكن وضع مراقبة المناخ، فإن هناك تحديا آخر يواجه العلماء في العقد القادم، يتمثل في ضرورة التأكد من أن المقادير التي نقيسها تمثل التغيرات الحقيقية في البيئة على مر العقود. وبتعبير آخر يمكننا القول: ما الذي يحدث إذا ما استخدمنا كاميرا جديدة أو وجهناها وجهة مختلفة؟ فعلى سبيل المثال، إن الساتل يظل يعمل عادة أربع سنوات أو نحو ذلك قبل أن يُستبدل به آخر في مدار مختلف. ويكون هذا البديل عادة مجهزا بأدوات جديدة ويراقب الأرض في وقت مختلف من اليوم. وهكذا فإننا سنتبين بعد مرور عدة سنوات أننا لم نقس التقلبية المناخية فحسب، بل قسنا أيضا التغيرات التي حدثت نتيجة مراقبة المناخ بطريقة مختلفة. وإذًا ما لم تُتخذ الاحتياطات الضرورية لتحديد مقدار التعديلات التي أدخلت على تقنيات المراقبة وأساليب أخذ العينات التي كانت سائدة قبل استخدام التقنيات الجديدة فإن سجلات المناخ قد تكون عديمة الجدوى؛ لأنه سيكون من المستحيل مقارنة مجموعة المعلومات الجديدة بمثيلاتها الأقدم.

 

وينبغي أن يكون علماء المستقبل قادرين على أن يبنوا محاكياتهم المناخية استنادًا إلى معلومات لا لبس فيها وحُفظت بطرق صحيحة. ولكن لسوء الحظ فإن المعلومات التي حُفظت حتى الآن من السواتل والمحسات السطحية عرضة لأن نفقدها إلى الأبد، لأن الرصدات السطحية الطويلة الأمد في الولايات المتحدة لا تزال تسجل على أشرطة ورقية مثقبة عفا عليها الزمن أو أنها تخزن في أوراق تبلى مع الوقت أو في حواسيب قديمة. وبالفعل فإن نحو نصف المعلومات التي حصلنا عليها من رادارات دوپلر الجديدة قد فُقِد، لأن نظام التسجيل يعتمد على أشخاص مطلوب منهم أن يتعاملوا مع التفصيلات الخاصة بحفظ المعلومات أثناء الأحداث الجوية العنيفة، في حين أن إصدار التحذيرات والوظائف الأخرى المهمة هي التي يجب أن تحظى باهتمامهم الزائد والفوري.

 

alt

بإمكان احترار عالمي يصل إلى خمس درجات سيلزية (في الأعلى) أن ينشط الهطل (في الأسفل) في معظم أنحاء العالم بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين. وتستخدم هذه المحاكيات تقديرات عام 1992 التي وضعها الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري وهباء الكبريتات بين عامي 2000 و 2050.

 

هل بإمكاننا أن نحقق ما نتطلع إليه؟(****)

على مدى الخمسين سنة القادمة سيكون بإمكاننا، إذا شئنا، أن ندرك بشكل عام الكيفية التي يؤثر بها الناس في مظاهر المناخ العالمي (الشامل للكرة الأرضية) والمناخ الإقليمي(6)، بل حتى مظاهر المناخ في نطاق ضيق. ولكن الانتظار كل هذه المدة لاتخاذ الإجراءات الاحتياطية يعد مجازفة حمقاء. فالمدة الطويلة التي يبقى فيها غاز ثنائي أكسيد الكربون وغيره من غازات الاحتباس الحراري في الجو، إضافة إلى استجابة المناخ البطيئة للظروف المتغيرة، تعني أننا حتى لو أوقفنا النشاطات البشرية الضارة اعتبارا من اليوم، يبقى الاحتمال قائما بأن كوكبنا سيشهد تغييرًا جوهريا في المناخ.

 

ويؤكد ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الأنديز وغيرها الحقيقة بأن درجة حرارة كوكبنا آخذة في الارتفاع. ويعد ارتفاع مستوى سطح البحر وغرق الشواطئ بمثابة مؤشر إلى أن احترار الكرة الأرضية سيصل ربما إلى درجتين سيلزيتين أو أكثر قبل نهاية القرن الحادي والعشرين. ونحن على ثقة بأن تغير المناخ سوف يأسر معظم الاهتمام عندما تزيد أخطاره على غيرها من الضغوط التي تعانيها المجتمعات البشرية. وأغلب الظن أن المستوطنات السكانية في المناطق الساحلية وغيرها من المناطق المنخفضة المهددة بالفيضانات تعد مجرد واحدة من المصاعب الأولية التي سوف نواجهها نتيجة لتغير المناخ. ولكن مادام بإمكان المجتمعات أن تلجأ إلى الشك في صحة ما يقال عن تأثير الإنسان الضار في المناخ، فإن معارضة شديدة ستواجه بها أية قرارات تتخذها السلطة التشريعية لتغيير القواعد التي تحكم الانبعاثات الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري أو قطع أشجار الغابات.

 

alt

إن إزالة الغابات تغير المناخَ بأكثر من طريقة. فقطع الأشجار يجعل الغابة أقل قدرة على تنظيف الهواء من ثنائي أكسيد الكربون، كما أن الغابة الداكنة الألوان تمتص قدرا أكبر من الطاقة الشمسية وتُبقي المنطقة أكثر دفئًا وأكثر رطوبة من الأرض العراء ذات اللون الباهت.

 

إن الحاجة إلى التنبؤ بمدى تأثيرنا في عالمنا يجب أن تحملنا على عمل كل ما باستطاعتنا لكي نبتدع فورا نظما شاملة لمراقبة المناخ وحفظ المعلومات المتعلقة به. وسوف تساعدنا هذه المعلومات على تغذية نماذج تتيح لنا التنبؤ بدقة بما سيكون عليه المناخ بعد عدة سنوات. وكذلك سنكون بالتخطيط السليم في وضع يمكننا على سبيل المثال من تصور الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها تصاميم السدود والخزانات لكي تتواءم مع الفيضانات المتوقعة، وإلى أي حد سترتفع درجة حرارة الأرض من جراء انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

 

إن مناخ الكرة الأرضية يتغير حاليًا، ولسوف يستمر في التغير من دون أدنى شك. إن في استطاعتنا العمل على إبطاء هذا التغير بالتخطيط العقلاني، ولكننا مع الأسف الشديد لا نعمل حاليا في هذا الاتجاه. وللتغلب على العقبات التي ذكرناها في هذا المقال لا بد من أن يسعى العلماء إلى أن يكونوا قادرين على التنبؤ بدقة بما سيكون عليه المناخ في المستقبل. إن الحاجة إلى حواسيب أقوى، وإلى فهم أفضل للفروق الدقيقة في تآثرات عناصر المناخ، يمكن التغلب عليهما بسهولة نسبية. أما العائق الحقيقي فهو افتقارنا إلى التزام ثابت طويل الأمد بمراقبة شاملة للمناخ. فكيف يمكننا أن نحمل الحكومات على تخصيص موارد تغطي عدة عقود من أجل تحقيق هذا الهدف، ولاسيما أن معظم الحكومات تتبدل بسرعة فائقة؟

 

ونحن إذا كنا نريد فعلاً أن تكون لدينا القدرة على التنبؤ بتأثير النشاطات البشرية في المناخ بحلول عام 2050 ـ وإذا كنا نريد البدء بتوجيه اهتمامنا إلى الاختلال الحادث في بيئتنا، فإن علينا أن نتبع طريقا آخر، ألا وهو الطريق الذي حددته «اتفاقية إطار العمل ضمن الأمم المتحدة في مجال التغير المناخي»، التي وقعها الرئيس الأمريكي <جورج بوش> عام 1992. وتنص الاتفاقية التي وقعتها 179 دولة على التزام موقِّعيها بأن يعالجوا التأثيرات البشرية الضارة في مناخ العالم. وقد خطا العالم خطوة نحو الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بتوقيع پروتوكول كيوتو في عام 1997، ولكن مع الأسف الشديد فإن قيام نظام مراقبة شامل طويل الأمد لمناخ العالم لم يتحقق بعد(7).

 


 المؤلفان

Thomas R. Karl

alt

يتولى إدارة المركز الوطني لمعلومات المناخ (NCDC) في ولاية نورث كارولينا منذ الشهر 3/1998. وهذا المركز هو قسم من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ويقدم خدماته كأكبر أرشيف لمعلومات المناخ في العالم. ويركز كارل [الذي يعمل في المركز منذ عام 1980] معظم أبحاثه على موضوع اتجاهات المناخ وحالات الطقس الشديدة.. كما يكتب تقارير للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC)، وهو المصدر العلمي الرسمي للمفاوضات الخاصة بالتغير المناخي العالمي.

Kevin E. Trenberth

alt

يدير قسم تحليلات المناخ في المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي (NCAR) في ولاية كولورادو، حيث يدرس ظاهرة النينيو والتقلب المناخي. وكان قد أمضى عدة سنوات في مصلحة الأرصاد الجوية النيوزيلندية، أصبح بعدها في العام 1997 أستاذا لعلوم الجو في جامعة إلينوي. ثم انتقل في العام 1984 إلى المركز NCAR. ويشارك ترينبيرث زميله كارل في كتابة التقارير إلى الفريق IPCC.

 


مراجع للاستزادة 

GLOBAL WARMING: IT'S HAPPENING. Kevin E. Trenberth in natural SCIENCE, Vol. 1, Article 9; 1997. Available at naturalscience.com/ns/articles/Ol-09/ns/_ket.html on the World Wide Web.

ADEQUACY OF CLIMATE OBSERVING SYSTEMS, 1999. Commission on Geosciences, Environment, and Resources. National Academy Press, 1999. Available atwww.nap.edu/books/0309063906/html/  on the World Wide Web.

CLIMATE CHANGE AND GREENHOUSE GASES. Tamara S. Ledley et al. in EOS, Vol. 80, No. 39, pages 453-458; Sept. 28, 1999. Available at www.agu.org/eos_elec/99148e.html  on the World Wide Web.

The United Nations Framework Convention on Climate Change and Kyoto Protocol updates are available at www.unfccc.org/  on the World Wide Web.

Scientific American, December 1999

 


(*) The Human Impact on Climate

(**) Computers and Climate Interactions

(***) Dearth of Data

التصنيف : مقالات علمية فرنسية وعربية

السابق : أسرار حقب الحياة الوسطى في مدغشقر(*)   التالي : عجائب وغرائب الطبيعة

اترك تعليقا :

كل الحقوق محفوظة ل المكتبة الجغرفية

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل